المنجي بوسنينة
120
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بها لسببين رئيسيّين ، وهما الحجّ من ناحية ، ولقاء الشّيوخ والسّماع عنهم من ناحية ثانية . فالرّحلة كانت تزيد من قيمة العالم وتكسبه مكانة خاصّة ، وكتب التّراجم شديدة الحرص ، كما هو معروف ، على أن تسجّل للعلماء - وخاصّة المغاربة - قيامهم أم لا بالرّحلة إلى المشرق . لذلك فنحن نحترز كثيرا إزاء سبب آخر ذكر وراء قيام ابن جبير بهذه الرّحلة وهو قيامه بها للحجّ تكفيرا عن زلّة قام بها تمثّلت في استجابته ، تحت الضّغط لطلب الوالي الموحّدي - والذي قد يكون أبا سعيد - بأن يشرب كؤوسا من الخمر أثناء أحد المجالس الّتي ضمّتهما . فنحن لا نجد ذلك إلّا في مصادر متأخّرة . [ المقّري ، نفح الطّيب ، ج 2 ، ص 385 ] . وما من شكّ أنّ أوّل ما يثير الانتباه حول هذه الرّحلة هو إنجازها على متن مراكب مسيحيّة تابعة لمدينة جنوة الإيطاليّة ، وذلك سواء عند الذّهاب بالانطلاق من ميناء سبتة على مضيق طارق بعد الوصول إليه من غرناطة ، أو عند العودة بالانطلاق من ميناء عكّة وهو آنذاك تحت الاحتلال المسيحي ، إذ إنّ الحروب الصّليبيّة كانت قائمة منذ ما يناهز القرن وأفضت إلى قيام إمارات مسيحيّة على سواحل الشّام . أمّا رحلة ابن جبير الثّانية فقد انطلقت سنة 585 ه / 1190 م . وقد اتّفقت المصادر المتحدّثة عنها أنّ أسبابها مرتبطة بأحداث الصّليبيّات بالذّات ونجاح صلاح الدّين الأيّوبي في استرجاع بيت المقدس سنة 583 ه / 1188 م . فقال ابن عبد الملك المرّاكشي ، وهو أوّل من أشار إلى هذا الرّبط : « ولمّا شاع الخبر المبهج للمسلمين جميعا حينئذ بفتح بيت المقدس على يد السّلطان النّاصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيّوب بن بوري - رحمه اللّه - وكان فتحه يوم السبت لثالث عشرة ليلة بقيت من رجب ثلاث وثمانين وخمسمائة ، كان ذلك من أقوى الأسباب الّتي بعثته على الرّحلة الثانية ، فتحرّك لها من غرناطة أيضا يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأوّل من سنة خمس وثمانين ( وخمسمائة ) » . وهذه الرّحلة لم يدوّنها ابن جبير ولا نملك حولها من المعلومات في اعتقادنا إلّا تلك الّتي يمدّنا بها ابن عبد الملك المرّاكشي . فهو قد حدّد لنا مدّتها بذكر تاريخ وصول ابن جبير إلى غرناطة عائدا وذلك « يوم الخميس لثلاث عشرة ( ليلة ) خلت من شعبان سبع وثمانين ( وخمسمائة ) » ؛ ونقل لنا كلاما لابن جبير - لا نعرف من أين نقله ابن عبد الملك المرّاكشي - الذي قال حول رحلته هذه : « وقضى اللّه برحمته لي بالجمع بين زيارة الخليل عليه السّلام ، وزيارة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وزيارة المساجد الثّلاثة في عام واحد متوجّها وفي شهر واحد منصرفا » . فنلاحظ إذن أنّ مدّة هذه الرّحلة الثّانية كانت أطول بقليل من مدّة الرّحلة الأولى وتجاوزتها بحوالي ثلاثة أشهر ، وأنّها تركّزت على ما يبدو على منطقتي الحجاز والشّام أساسا . ويبدو من التّفاصيل القليلة الّتي يمدّنا بها ابن عبد الملك المرّاكشي حول حياة ابن جبير ونشاطه بعد الرّحلة الثانية أنّه أصبح شخصيّة تعيش نوعا من القلق وعدم الاستقرار . فنحن نلاحظ ، من ناحية أولى ، ميله المتزايد إلى